السيد محمد الصدر

238

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وإن قرأناها بالياء - كما هو الأفصح على ما سوف أقول - فحينئذٍ يصير من القلب ؛ لأنَّ الياء في الأصل بعد الراء ( يسري ) فنجعلها من خلال القلب قبل الراء فتكون ( يسير ) ، والقلب في اللغة وإن كان قليلًا ، لكنّه ليس ببعيدٍ وليس بنادرٍ ، فكثيرٌ من الموادّ يبقى لها نفس المعنى لو قُلبت ، وهذا منها . لكن قضيّة القلب إمّا أن ننظر لها قرآنيّاً بمعنى : أنَّ القرآن استعمل يسري بمعنى : يسير ، يعني استعمل أحد وجهي القلب بالوجه الآخر ، وإمّا أن نقول : إنَّ هذا موجودٌ في أصل اللغة ؛ لأنَّ يسري ويسير بمعنىً واحدٍ ، غاية الأمر أنَّ فيه إشعاراً أنَّه يسري في الليل ، وإلّا فإنَّ استعماله في مطلق السير لا بأس به ، فيكون هذا القلب موجوداً في اللغة والقرآن ، وإنَّما استعمله القرآن تبعاً للغة . أقول : أنا سمعت من يقرأها من القرّاء المصريّين بالياء « 1 » ، ومن حذفها فإنَّما لتوافق رؤوس الآي ، أي : النسق القرآني ، لأنَّ الآيات الأُخرى تنتهي بالراء : وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ . وفي الحقيقة إذا أخذنا المحصّلة والفكرة العامّة نواجه صعوبةً في كيفيّة الجمع بين رؤوس الآي ، أي : بين النسق وبين ما هو فصيحٌ في كلمة ( يسري ) . وفي جواب هذه المشكلة عدّة أُطروحاتٍ : الأُطروحة الأُولى : أن نقبل بعدم وجود النسق ، أي : إنَّ النسق في الآيات السابقة موجودٌ ، لكنّ الله تعالى لحكمةٍ هنا حذف النسق ، ففي قوله : وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ يكون الوقف ضروريّاً عند السكون . وأمّا قوله : وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ فهو نسقٌ آخر يختلف عمّا سبقه ، أي : إنَّ الآية لها

--> ( 1 ) أُنظر : محاضرات الأُدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء 819 : 1 ، الحدّ الحادي عشر ، استطابة الغناء والمغنّي .